يوسف بن محمد البلوي المالقي ( ابن الشيخ )

498

كتاب ألف باء ( في أنواع الآداب وفنون المحاضرات واللغة )

ثم رجع فقال : أيها الناس إن أبا مسلم قد ذكر أن هذا المال ليس بمالي ولا مال أبي ، وصدق أبو مسلم ، إني سمعت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يقول : الغضب من الشيطان ، والشيطان من النار ، والماء يطفئ النار ، فإذا غضب أحدكم فليغتسل ، أغدوا على عطاياكم على بركة اللّه . ومن جوده وحلمه رضي اللّه عنه أنه بعث عامل من عماله إليه بأحمال ، فمرت الإبل على الحسين بن علي رضي اللّه عنهما ، فأخذ منها عشرة أحمال فعزلها وقال : هذا حقي وبقي لي أكثر منه ، فلما بلغ ذلك معاوية كتب إليه : يا حسين بن عليّ ذا الأمل * لك عندي وثبة لا تحتمل ليس بعدي لك من يحملها * ليس بعد المال والوثب عمل إنما أحذر أن تبلى بمن * عذره قد سبق السيف العذل وهذا المثل أوّل من قاله خزيم بن نوفل الهمداني في خبر طويل ذكره البكري ، أذكر معناه مختصرا ، قاله لسعيد بن النعمان ، كان له إخوان فأراد تجربتهم ، فعمد إلى كبش فذبحه ثم أضجعه في قبته وغشاه بثوب ، ثم دعا إخوانه وكان أوثقهم به في نفسه فقال : يا أبا فلان إني قتلت فلانا فما عنك ؟ قال : وما تريد ؟ قال : أن تعينني عليه حتى أخفيه ، قال : لست بصاحب ، وفعل ذلك مع ابن نوفل المذكور ، فقال له : لهان ما فزعت فيه إلى أخيك ، وحضر لذلك عبد لسعيد فقال له : هل اطلع على هذا غير عبدك هذا ؟ قال : لا ، فأهوى خزيم إلى العبد بالسيف فقتله وقال : ليس عبد بأخ ، فقال سعيد : ما صنعت إنما أردت تجربتك ، فقال خزيم : سبق السيف العذل . انتهى كلامه . وأما الذي ذكر أبو عبيد رحمه اللّه بأن قائل ذلك ضبة بن أدّ ، كان له ابنان سعد وسعيد ، فخرجا في طلب إبل لهما ، فرجع سعد ولم يرجع سعيد ، فكان ضبة كلما رأى شخصا مقبلا قال : أسعد أم سعيد ؟ فذهبت كلمته هذه مثلا . وقد تقدّم ذلك قبل فصل الحروف بيسير ، وجعل لرجل ألف درهم على أن يسأل عمرو بن العاص وهو على المنبر من أمه ، فسأله فقال له : أمي سلمى بنت حرملة ، تلقب بالنابغة من بني عذرة ، أصابتها رماح العرب فبيعت بعكاظ ، فاشتراها الفاكه بن المغيرة ، ثم اشتراها عبد اللّه بن جدعان منه ، ثم صارت إلى العاص فولدت فأنجبت ، فإن كان جعل لك شيء فخذه . وقال بعض العلماء : ثلاث من لم تكن فيه لم ينفعه الإيمان : حلم يردّ به جهل الجاهل ، وورع يكفّ به عن المحارم ، وخلق حسن يداري به الناس . وقال الحسن رضي اللّه عنه : من كان فيه أربع خلال حرّمه اللّه على النار وأعاذه من الشيطان الرجيم : من يملك نفسه عند الرغبة والرهبة والشهوة والغضب .